فوزي آل سيف
54
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
فها هو مولانا الإمام الهادي عليه السلام كما يروي عنه علي بن جعفر الكوفي، يسلسل الحديث عن آبائه الكرام واحدا بعد واحد إلى أن يصل إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا يعبر في كثير من الأحيان عن اهتمام الإمام ببيان أن هذا خطٌّ واحدٌ بين المعصومين، وفكرة واحدة عابرة للزمان بينهم، وإلا فإن مقام كل واحد منهم ليس مقام الرواية عمن سبقه فقط وإنما هو مقام الإمامة. ولكن الإمام قد يلجأ أحيانا إلى أن يظهر روايته هذا اللفظ أو المضمون عن آبائه، أولًا: لاحتمال وجود من لا يرى إمامته فيتعامل معه الإمام على هذا الأساس ويسلسل الحديث للإمام علي أو للرسول، وثانيا: لبيان أهمية هذا المضمون وتركيز الانتباه عليه (مثل حديث سلسلة الذهب وغيره). روى الإمام الهادي عن آبائه عن أمير المؤمنين: قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَقَدَرٍ؟ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: أَجَلْ يَا شَيْخُ! فَوَ اللَّهِ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَلَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَقَدَرٍ. فَقَالَ الشَّيْخُ: عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: مَهْلًا يَا شَيْخُ لَعَلَّكَ تَظُنُّ قَضَاءً حَتْماً وَقَدَراً لَازِماً لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالزَّجْرُ وَلَسَقَطَ مَعْنَى الْوَعِيدِ وَالْوَعْدِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مُسِيءٍ لَائِمَةٌ وَلَا لِمُحْسِنٍ مَحْمِدَةٌ وَلَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِاللَّائِمَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَالْمُذْنِبُ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ. تِلْكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَخُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَقَدَرِيَّةِ[180] هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمَجُوسِهَا! يَا شَيْخُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّفَ تَخْيِيراً وَنَهَى تَحْذِيراً وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَلَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَلَمْ يَخْلُقِ (السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار)ِ قَالَ فَنَهَضَ الشَّيْخُ وَهُوَ يَقُولُ - أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ * يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً * جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ إِحْسَاناً[181] ويظهر أن الموضوع بما يحمل من ملابسات اجتماعية، ومنها أن السلطة الحاكمة كان يهمها بلا ريب أن ينتشر الفكر الجبري والقدري بين المسلمين، لما تقدم ذكره من أسباب، فمن الطبيعي أن يجد تموجاته والنقاش فيه في أكثر الدوائر الشعبية، ومنها الدائرة المرتبطة بمذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام. وبناء على ذلك فلما كان النقاش في هذا الموضوع قد تفاعل مع المجتمع الشيعي فلا بد أن ينتظر هؤلاء البصيرة والمعرفة من إمامهم وهو عِدل القرآن، فأرسل أهل الأهواز للإمام رسالة، وأجابهم بجواب مفصل ومستوعب للمسألة من أطرافها المختلفة، ونحن وإن كنا لا نستطيع ـ في هذه الصفحات شرح الرسالة كاملة ـ لكننا سوف نتعرض إلى خلاصة موجزة لبعض أفكارها، ولمن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المختصة في هذا. قال في تحف العقول[182]: وروي عن الامام الراشد الصابر أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام في طوال هذه المعاني رسالته في الرد على أهل الجبر والتفويض واثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين:
--> 180 ) هنا تم التعبير عن أصحاب الاتجاه الجبري بـ ( القدرية) يعني الذين يقولون بأن كل شيء هو بقدر الله وينفون إرادة الانسان ومسؤوليته عن أعماله، بينما نجد في كتب علم الكلام وفي المناقشات المذهبية أنهم ينسبون الكلمة هذه إلى المعتزلة باعتبارهم يقولون بقدرة الإنسان على أفعاله واستقلاله بها. والملاحظ هنا أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وهو باب مدينة علم النبي وصم الاتجاه الجبري بأنهم يقولون بمقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن ومجوس الأمة! 181 ) الصدوق: التوحيد ٣٨١ 182 ) الحراني؛ ابن شعبة: تحف العقول عن آل الرسول ٤٧١